التقمص في علم النفس
التقمص أو ما يعرف بالتماهي قال العالم ”
سيغموند فرويد
” في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي أنه ظهر كلمة التقمص في القواميس والمعاجم العربية بالعديد من المسميات ، فيعرف التقمص في معجم علم النفس والتحليل النفسي باسم التوحد ، ويعرف على أنه نوع من أنواع التوافق التي تتم على مستوى لا شعوري [1] .
التقمص هو عملية تلجأ النفس فيها إلى أن تدمج داخل ذاته دوافع واتجاهات وسمات خاصة بشخص أخر ، لكي تصبح أصيلة في الفرد تقود بجذورها في أساس بنائه النفسي .
تعريف التقمص
تعريف التقمص بالنسبة للتعريفات التحليل النفسي في المعاجم للعالم “لابلانش ، وبونتاليس” يعرف بمصطلح التماهي ويعرف على أنه (عملية نفسية يأخذ الشخص عن طريقها أحد مظاهر ، أو الخصائص ، أو الصفات من شخص آخر ، ويتحول هذا الشخص بطريقة كلية أو جزئية وفقا للنموذج الخاص به ، وتتكون الشخصية وتتميز من خلال مجموعة من الماهيات) [2].
يعرف التقمص أيضا بأنه عملية سيكولوجية يقلد من خلالها الفرد جانب ، أو خاصية ، أو سمة لدى شخص آخر ، ويتحول بشكل كلي أو جزئي بواسطة النموذج الذي يقدمه الشخص الآخر ، ويتم ذلك عن طريق سلسلة من التقمصات التي تقوم عليها أو تبين من خلالها الشخصية ، حيث أنه يمكن التعرف على أساس المفهوم في كتابات فرويد. وتحتوي المفاهيم الثلاثة البارزة والواضحة للتقمص كما وصفها فرويد إلى :
- التقمص الأولى.
- التقمص النرجسي (ثانوي).
- التقمص الجزئي (ثانوي).
وبينما يعم الاتفاق في أدبيات التحليل النفسي ، حول سهولة المعنى الأساسي للتقمص أي أن تشبه نفسك بالآخر ، أو أن تصبح شبيه بالآخر ، فقد ظل موضوع التقمص أيضا من أكثر الموضوعات التي تكن محيرة في التحليل النفسي .
أنواع التقمص
ينقسم التقمص إلى ثلاثة أنواع أساسية لتعريفه وهي:
التقمص الأولي
التقمص الأولي هو الصورة الثابتة الأصلية والبدائية في التعلق العاطفي بشىء معين أو شخص ما ، قبل أي علاقات مع الأشياء أو الأشخاص الآخرين يعتبر التقمص الأول للفرد وهو الأكثر أهمية ، هو تقمصه الفرد مع الأب فيما قبل تاريخه الشخصي مع أبويه ، ويقصد بذلك أن الطفل أثناء ولادته لم يكن قادر على التمييز بين نفسه وبين الآخرين من حيث الأهمية ، فإن الطفل يتعلق تعلق عاطفي مع والديه ويتعامل معهم على أنهم جزء من نفسه ثدي الأم هو جزء مني، إذا أنا أيضاً ثدي .
يحاكي الأطفال خلال عملية التقمص سمات الوالدين بشكل غير واعي ولا إرادي ، ويقومون بعملية ربط أنفسهم مع هؤلاء الأباء، مع محاكاتهم لسلوك الوالدين بشكل متطابق ، فإن فرويد يؤكد على ضرورة تمييز التقمص عن المحاكاة أو التقليد حيث أن التقليد هو فعل واعي وإرادي .
وأن الطفل سيطور بسبب هذه العملية من التعلق العاطفي (الأنا العليا) ، والتي يكون لديها متشابهات مع القيم الأخلاقية والمبادئ الإرشادية التي يعيش الوالدين حياتهما عن طريق هذه القيم ، ويصبح الأطفال خلال تلك العملية على قدر عالي من التشابه مع والديهم ، ويبسط ذلك من التعلم من أجل الحياة في العالم والثقافة التي ولدوا فيها وتربوا عليها .
حيث أن المحللون النفسيون يعطون التقمص الأولي قدر كبير من الأهمية ، على الرغم من اختلاف المفهوم وفقا لكل مؤلف وتبع أفكاره، والابتعاد عن المعنى الدقيق .
التقمص النرجسي أو الثانوي
التقمص النرجسي هو عبارة عن صورة من صور التقمص التي تقوم على هجر أو فقدان هدف معين ، تبدأ خبرة الفقد هذه في سن مبكر للغاية. ودليل على ذلك ارتداء ملابس أو مجوهرات متعلقة بشخص متوفى محبوب ، وقد وضع فرويد في كتابه المعروف (حزن وكآبة) أن التقمص يكون مرحلة تمهد لإختيار الهدف أو الشيء المراد ، ويقول أن خبرة الفقد تبدأ في عملية تكون متحركة بصورة عكسية تساعد على توافق تقمص الأنا مع الهدف أو الشيء الذي قد يكون مفقود .
ويكرر فرويد في كتابه (الأنا والهو) ويؤكد على أن هذا النوع من الاستبدال لديه قدر عالي في تحديد الشكل الذي اتخذه الأنا ، ويقدم ذلك مساهمة أساسية نحو بناء ما يطلق عليه (شخصيته) وأراد الفيلسوف ‘لاكان” في نظريته عن الخيال ، أن يعمل على تطوير النقطة الأخيرة حيث أنه رأى أن الأنا تتأسس في داخل أساسها من خلال مجموعة من التقمصات المغتربة ، وهذا جزء من مجادلته لأي تصور عن الأنا خالي من الصراع ومستقل بذاته .
التقمص الجزئي
يقوم التقمص الجزئي على معرفة ميزة خاصة عند شخص آخر وغالبا ما تكون هذه الميزة أو النموذج المثالي ، متمثل في صورة
شخصية قيادية
حيث يمكن تقمصها ومثال على ذلك نجد أن الصبي الصغير يتقمص مع جاره الأكبر منه في السن الذي يتسم بالعضلات القوية ، ويتوحد الأشخاص مع الآخرين في ما بعد مرحلة التقمص للشخصيات القيادية لأنهم يحسون أن لديهم شىء مشترك فيما بينهم:
مثل مجموعة من الأشخاص يحبون نوع معين من الموسيقى ، تقوم هذه الآلية بلعب دور هام في تكوين المجموعات وتساهم أيضا في تطوير الشخصية ، وتتمثل الأنا من خلال تقمص المجموعة .
يعمل التقمص الجزئي على تعزيز الحياة الاجتماعية للأشخاص ، الذين سيكونون قادرين على التوحد مع بعضهم البعض بواسطة تلك الرابطة المشتركة فيما بينهم ، ويقول فرويد أن التقمص هو العملية التي بفضلها تتكون شخصية الفرد ، ويؤكد فرويد على أن التقمص ربما يدل على خاصية في الشخصية لكن على الشخصية بصورة كلية ، من جانب إمكانية توفير مجموعة كثيرة من التقمصات في الشخصية الواحدة .
و التقمص يحدث نتيجة لتأثر الأنا بأنا آخر خاص ، فيكون نوع من الإنتقال السمات والمميزات الشخصية من فرد إلى آخر ، كنوع من التقمص ولكن بصفة أقوى من التقليد لكي تدوم وترسخ في الشخصية ، ومن خلالها يكتسب الفرد توجهات و مميزات شخصية جديدة .
وبهذا الشئ يكون التقمص من ناحيتين هما ناحية وسيلة بناء الشخصية ، ومن ناحية أخرى تكملة البناء السابق في حالة معينة ، إذا حدث إنتقال جزئي أو تقمص نسبي من فرد لفرد آخر .
معنى آخر للتقمص في علم النفس
التقمص هو عبارة عن لبس القميص ، قميص الروح هو الجسد، أي أن التقمص يمثل انتقال الروح الخالدة من جسد توفى الى جسد آخر حديث الولادة حيث أن الاعتقاد في التقمص قديم جدا وقد انتشر بشكل ملحوظ .
فنجد أن التقمص في الفكر الإغريقي القديم حيث أن الفكرة الرئيسية كانت هي تطهير النفس عن طريق عدة ولادات حتى تتحرر النفس الصالحة و تعود الى الطبيعية الإلهية [3] .
أما في الفكر اليوناني : فإن المدرسة الفيثاغورية تقول أن وجود النفس في الجسد هو عقاب للنفس إن لم تكون صالحة ، ويمكن للآلهة أن تستعاد الى جسد آخر ، ونجد ان الفكرة نفسها عند أفلاطون الذي يعتبر أن الروح الغير الصالحة تتبدل عن طريق ولادة جديدة إلى حيوان كنوع من العقاب لها من ناحية أفلاطون .
قاد الفيلسوف الألماني ”
شوبنهاور
” فكرة التناسخ وهى انتقال روح انسان الى انسان آخر ورفض كلا من الديانتين اليهودية والمسيحية ، لأنهما تتعارضان مع مبدأ الوجود الماضي هذا في الفلسفة ، لكن فكرة التقمص حاضرة أيضا في الديانات مثل الهندوسية والبوذية .